السيد محمد الصدر

134

ما وراء الفقه

التساؤل عن الحكمة والمصلحة في التشريع ، لأنه بكل تأكيد صادر عن الحكمة الإلهية ، وهي لا تتوخى إلَّا الكمال للخلق وتربيتهم نحو الأفضل والأكمل لأن اللَّه بذاته المقدسة غني عن العالمين لا تضره ذنوب عباده ولا تنفعه طاعاتهم . وإنما دخل التساؤل عن الحكمة في التشريع والإشكال على بعض تفاصيله ، مما دسّ الأعداء والمستعمرون في الأذهان الساذجة والخالية من الثقافة الدينية الحقيقية والمعمقة ، من الشبهات والانحرافات ، ولو كان في هذه الأذهان بقية من إدراك لتساءلت عن حقيقة هؤلاء الأعداء وأهدافهم من وراء دسائسهم وشبهاتهم . ولكننا مع ذلك نتنزل عن ذلك ونستفهم عن الحكمة في بعض تعاليم الدين ، وفي العقوبات على وجه التعيين ، إرضاء لبعض الضمائر أولا ، ولكي تكون لنا الشجاعة الكافية في مواجهة الباطل ، ولا يقال ضد المفكرين المتدينين أنهم ساكتون عن الشبهات ، وأن خير جواب عن الشبهة هو إضمارها وعدم التصريح بها ، بل نقول : إنه في الإمكان التصريح بها والجواب عليها بعونه سبحانه . ثالثا : إن هناك قانونا معنويا عرفيا ومتشرعيا وعقلائيا يقول : كلم الناس على قدر عقولهم ، فإنه لا يمكن الكلام مع أي أحد إلَّا في حدود ما يطيق ويفهم ، ويستحيل أن تحصل أي نتيجة بدونه ، كتعليم طلاب المدرسة الابتدائية رياضيات التفاضل والتكامل أو الفيزياء الذرية ، أو كإعطاء المريض جرعة مضاعفة من الدواء ، قد تؤدي بحياته . ومن المعلوم أيضا أن تكليف أي مجتمع في أن يعلم أو أن يفهم ما يحصل في المستقبل إما مستحيل نظريا أو مستحيل عمليا . ونريد بالاستحالة النظرية امتناع معرفة الزمن الآتي وأن المستقبل باب موصد أمام الناظرين ما لم يحصل في الحاضر ليعرفه الآخرون ، ولكن هل هذا صحيح أو لا ؟ بل يمكن لبعض الخلق أن يطلع على المستقبل أو بعض حوادثه ، لسنا الآن بصدد ذلك .